السيد الطباطبائي
268
تفسير الميزان
قوله تعالى : إني جاعلك للناس إماما ، قول من يعتقد لنفسه ذرية ، وكيف يسع من له أدنى دربة بأدب الكلام وخاصة مثل إبراهيم الخليل في خطاب يخاطب به ربه الجليل أن يتفوه بما لا علم له به ؟ ولو كان ذلك لكان من الواجب أن يقول : ومن ذريتي إن رزقتني ذرية أو ما يؤدى هذا المعنى فالقصة واقعة كما ذكرنا في أواخر عهد إبراهيم بعد البشارة . على أن قوله تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال : إني جاعلك للناس إماما ، يدل على أن هذه الإمامة الموهوبة إنما كانت بعد ابتلائه بما ابتلاه الله به من الامتحانات وليست هذه الا أنواع البلاء التي ابتلى عليه السلام بها في حياته ، وقد نص القرآن على أن من أوضحها بلاء قضية ذبح إسماعيل قال تعالى : ( قال يا بني اني أرى في المنام أني أذبحك ، إلى أن قال : ان هذا لهو البلاء المبين ) الصافات - 106 . والقضية انما وقعت في كبر إبراهيم ، كما حكى الله تعالى عنه من قوله : ( الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل ، واسحق ، ان ربي لسميع الدعاء ) إبراهيم - 41 . ولنرجع إلى ألفاظ الآية فقوله : وإذ ابتلى إبراهيم ربه ، الابتلاء والبلاء بمعنى واحد تقول : ابتليته وبلوته بكذا أي امتحنته واختبرته ، إذا قدمت إليه أمرا أو أوقعته في حدث فاختبرته بذلك واستظهرت ما عنده من الصفات النفسانية الكامنة عنده كالإطاعة والشجاعة والسخاء والعفة والعلم والوفاء أو مقابلاتها ، ولذلك لا يكون الابتلاء إلا بعمل فإن الفعل هو الذي يظهر به الصفات الكامنة من الانسان دون القول الذي يحتمل الصدق والكذب قال تعالى : ( إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ) ن - 17 ، وقال تعالى : ( ان الله مبتليكم بنهر ) البقرة - 249 . فتعلق الابتلاء ، في الآية بالكلمات ان كان المراد بها الأقوال إنما هو من جهة تعلقها با لعمل وحكايتها عن العهود والأوامر المتعلقة بالفعل كقوله تعالى ( وقولوا للناس حسنا ) البقرة - 83 ، أي عاشروهم معاشرة جميلة وقوله :